السيد كمال الحيدري
78
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وأمّا الرؤية الثانية : ففيها قولان أيضاً ، وهما : الأوّل : يرى أنّ المراد من التأويل هو نفس المراد بالكلام . في الخبر - مثلًا - تكون معرفة الخبر تفسيراً ومعرفة المخبر به تأويلًا ، فالشيء المخبر به - إن كان الكلام خبراً - والشيء المطلوب فعله - إن كان الكلام إنشاءً - هو التأويل بعينه ، فالتأويل هو الحقيقة الخارجية ، والتفسير هو الصورة العلمية لتلك الحقيقة الخارجية « 1 » . وبناءً على هذا القول سوف تضعف الحاجة إلى التأويل ، فإنّه ليس بين الخبر والمخبر به ، وبين الفعل المطلوب وإنشاء طلبه فاصلة كبيرة من حيث التصوّر وانصراف الذهن إليهما ، وإن لم تقع الحادثة الخارجية بعد . الثاني : يرى أصحاب هذا القول أنّ التأويل هو : ( الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية من حُكم أو موعظة أو حكمة ، وأنّه موجود لجميع الآيات القرآنية ، محكمها ومتشابهها ، وأنّه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ ، بل هي من الأمور الغيبية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ ، وإنمّا قيّدها الله سبحانه بقيد الألفاظ لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب ، فهي كالأمثال تُضرب ليقرّب بها المقاصد وتُوضّح بحسب ما يُناسب فهم السامع ) « 2 » . وتلك الحقيقة الواقعية هي المشار إليها بالخزائن في قوله تعالى : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ( الحجر : 21 ) . وهذه الخزائنية لا تمثّل الخلفية الوجودية الواقعية للمعطيات القرآنية فحسب ، بل إن كلّ الأشياء في عالمنا المشهود لها نحو وجود عينيّ خاصّ بها في
--> ( 1 ) انظر : التفسير الكبير ، لابن تيمية : ج 2 ، ص 88 - 114 . ( 2 ) انظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 3 ، ص 49 . .